الغزالي

75

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

طوبى لمن أول ما حازه * معرفة الخالق سبحانه قال بزرجمهر : ينبغي للملك أن لا يكون في مملكته أقل من البستاني في حفظ بستانه ، إذا زرع الريحان ونبت بينه الحشيش استعجل في قلع الحشيش كيلا يضبط أماكن الريحان . قال أفلاطون : علامة السلطان المظفر على العدو أن يكون قويّا في نفسه ، لازما لصمته ، مفكرا في رأيه وتدبيره بقلبه ، وأن يكون عاقلا في ملكه ، شريفا في نفسه ، حلوا في قلوب الرعية ، رفيقا في سائر أعماله ، مجربا لعهد من تقدّمه ، خبيرا بأعمال من هو أقدم منه ، صلبا في دينه وعزمه . وكل مهلك تجمّعت فيه هذه الخلال ، وحصلت له هذه الخصال ، كان في عين عدوه مهيبا ، ولا يجد العائب له معيبا ، إذا كان الملك يرى أن حوله وقوّته باللّه جلّت قدرته وإن كان عدوّه قويا فإنه يظفر به وينتصر عليه ؛ مثاله قول اللّه عزّ وجلّ : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 249 ] . نكتة : قال سقراط الحكيم : علامة السلطان الذي يدوم ملكه أن يكون الدين والعقل منه حيين في قلبه ليكون في قلوب الرعية محبوبا ، وأن يكون العقل قريبا ، وأن يكون طالبا للعلم ليعلم من العلماء ، وأن يكون فضله غزيرا وبيته كبيرا ليعظّم عند الفضلاء ، ويربي الأدباء ليتفرّع عنه الأدباء ، وأن يبعد عن مملكته متطلبي العيوب لتبعد عنه العيوب . وكل ملك لم يكن له مثل هذه الخصال لا يفرح بمملكته ، وتسرع إليه دواعي هلكته ، ويتلف أقرباؤه على يده وجلساؤه ؛ لأن القيل يظهر من عدم العقل كما قال الشاعر : يقول الحكيم المقال الأسدّ * دع المزح إذ لست فيه أسد تحفظ بنفسك مع مفلتي * ك فعينك للملك تجني الحرد وخف أن تنازعه ملكه * وفي حالة السخط عنه ابتعد فتقتل عن سخطه لا لجرم * ضياعا وليس عليه قود سمعت عن الخمر أن المليك * يسكر منها قبيل الأمد إشارة وحكمة : سأل معاوية الأحنف بن قيس فقال : يا أبا يحيى كيف الزمان ؟ فقال : الزمان أنت ، إن صلحت صلح الزمان وإن فسدت فسد الزمان . وقال الأحنف بن قيس : إن الدّنيا عمرت بالعدل فكذلك تخرب بالجور ؛ لأن العدل يصفو نوره وتلوح تباشيره